الفصل الأول
إشكالية التاريخ اليهودي
- تاريخ الجماعات اليهودية [1]:
يأتي تعريف التاريخ اليهودي كمصطلح متواتر وجد في الأدبيات اليهودية والصهيونية والدراسات التوارتية وحتى العربية المتأثرة بها ، وهو غالبا ما يقدم على أنه تاريخ مستقل عن كافة الأمم متقوقع في الحدث يخص اليهود وحدهم له تأثيره الخاص عليهم وحدهم والتفاعل في نفس الاتجاه وهو متعلق بدينهم وتطورهم التاريخي وهنا يقول د .عبد الوهاب المسيري[2] " ومفهوم التاريخ اليهودي مفهوم محوري تتفرع منه وتستند إليه مفاهيم الاستقلال اليهودي الأخرى ومعظم النماذج التي تستخدم لرصد وتفسير سلوك وواقع أعضاء الجماعات اليهودية."
ومن الواضح أن هذا المفهوم يأخذ بعد محوري في التفكير الغربي ،وفي الادراك الانساني الغربي لليهود ، بحيث يأخذ طابع إيماني بالنموذج من خلال أسفار العهد القديم في الكتاب المقدس مما يجعله مفهوم مبسط مختزل بعيد عن التفسير العلمي والمنطقي ، ما يقدم من الناحية المعرفية تاريخا تافها لهذه الجماعات وتأتي سمات التاريخ اليهودي[3] : كما يلي
وحدة الجنس اليهودي .
التدخل الإلهي المنحازبشكل دائم .
تضخيم الجوانب الثانوية وإهمال الجوانب الرئيسية .
البناء التاريخي لهذه الجماعات يجعلها مستقلة غير متفاعلة مع المحيط .
زوال ثنائية الخالق والمخلوق التي تؤدي إلى التداخل الكامل بين المطلق والنسبي
إن هذه السمات في مجملها تتناقض مع واقع أن هناك تنوع عرقي في اليهودية ، فكما يوجد يهودي أوروبي يوجد يهودي شرقي ، وهذا يتضح في التقسيم الاجتماعي في الكيان الصهيوني فالاشكناز اليهودي الغربي والسفارديم اليهودي الشرقي والفلاشا ويهود الهند ويهود آسيا الصفر ينقض بشكل أساسي مسألة وحدة الجنس اليهودي كعرق أتى من العبرانيين ،ويجعل من مسألة خلافتهم لبني اسرائيل غير واقعية ، وهذا يقود إلى أن هذا التفكير يجعل من اليهود جماعات غير متأثرة بالمحيط بالضرورة ، الشيء الذي يتنافى مع العقلانية والإنسانية على حد السواء ، وقد يستغرب المرء حين يجد أن البحث عن وطن قومي لليهود يأتي متأثرا بشكل أساسي بالفكر القومي الشوفيني الذي برز في أوروبا إبان الثورة الصناعية ،ويقارن بالادعاءات التي تقول بانعزال اليهود وعدم تفاعلهم مع المجتمعات المحيطة، وإذا ما أهملنا الجانب المعرفي على الصعيدين الرصدي والتاريخي ، فإننا نجد أن نموذج التاريخ اليهودي نموذج التاريخ اليهودي المستقل يفترض وجود جوهر يهود كامن يشكل ما يشبه النمط الفكري الجاهز لكل الأشكال التاريخية التي عاش في إطارها أعضاء الجماعات. حيث يتجاوز هذا الجوهر كل التحولات ويصبغها بصبغته ويتحدى جميع القوانين التاريخية المعروفة ويتخذ اسم «الماضي اليهودي» أو «الاستمرار اليهودي» أو (روح اليهودية) أو (الشعب اليهودي الأزلي) أو (المستقبل اليهودي)[4] مما يجعله يقدم تعبير حلولي بدون إله حيث يصبح مسار هذا التاريخ هو التحقق التدريجي لهذا الجوهر الكامن وللـروح اليهـودية الدينيـة القوميـة. ويتم تفسير كل شيء على هذا الأساس، وتصبح مهمة المؤرخ هي البحث عن الجوهر اليهودي والروح اليهودية وكل ما يعبِّر عنهما، متجاهلاً كل التفاصيل الأخرى.
كل هذا يجعل التاريخ اليهودي أمراً لا علاقة له بالواقع الإنساني الدنيوي مما يتناقض مع مسألة التدخل الإلهي المنحازة لهم ،والتي تثبت فكرة شعب الله المختار ، المسألة التي تجعل الإرث اليهودي يخلق إله لهم وحدهم دونا عن غيرهم ،وهذا بحد ذاته يتناقض مع مسألة التوحيد التي يقولون بها ،فالاله المنحاز بالضرورة هو إله لا ينظر إلى ما دونهم ، مما يجعل القارئ يفصل بين آلهة الآخر وآلهة اليهود أوإلههم المدعو يهوه ، فالإله يهوه هوالاله المحارب المتعطش للدماء في التراث اليهودي ، يتنافى مع أبسط مسائل التفكير باتجاه الخالق عز وجل ، وتأتي مسألة تضخيم الجوانب الثانوية في التاريخ التوراتي المقدس ، فهذا التاريخ هو تاريخ ذو مغزى أخلاقي تأخذ منه العبرة ، بل أن العبرة فيه أهم من الحدث بحد ذاته ، وهو تاريخ يتبع نسقاً دينياً محدداً؛ يختار من الحدث ما يخدم الهدف، ويلجأ إلى الصور المجازية والرموز والمبالغة ليوصل الحكمة إلى المتلقي. وبالتالى، كثيراً ما تتناقض وقائع هذا التاريخ ووقائع التاريخ الدنيوي وإن كانت تتفق معها أحياناً. ولكن كثيراً من القصص التي وردت في العهد القديم، والتي تدَّعي لنفسها صفة التاريخية، لا يمكن إثباتها بالعودة إلى التاريخ الدنيوي. كما أن بعض المدونات الآشورية والبابلية والمصرية تعطينا أحياناً صورة مختلفة تماماً. فوقائع هجرة العبرانيين من مصر، كما وردت في سفر الخروج، تختلف في كثير من النواحي عن الشذرات المتناثرة التي وصلتنا عن هذا الخروج، إن لم تكن متناقضة معها. كما يأتي ذكر سليمان في التاريخ التوراتي المقدَّس كملك عظيم مهيب، وأن المملكة المتحدة قد ازدهرت تحت حكمه حقاً. ولكننا نعرف أيضًا أن هذا الازدهار كان مؤقتاً وناتجاً عن الفراغ السياسي المؤقت في الشرق الأدنى القديم، كما نعرف أن مملكته لم تكن تختلف كثيراً عن الدويلات الأخرى التي ازدهرت في تلك المنطقة بسبب غياب الإمبراطوريات العظمى التي اكتسحتها فيما بعد، وتقاسمتها فيما بينها بعد ظهورها.
وهذه كلها جوانب يسقطها التاريخ المقدس ولا يُعنى بها. كما نعلم أن سليمان، حتى في أوج عظمته، لم يصل إلى تلك الأبعاد الأسطورية التي تتحدث عنها الرواية التوراتية ، ومما يثير الانتباه في التاريخ اليهودي أن النسق العام يأتي دائما كحوار بين طرفين أحدهما مقدس والآخر دنيوي ، فكتاب اليهود المقدس هوكتاب تاريخ الشعب اليهودي ، والأعياد تأتي احتفالية بأحداث كونية[5] ، أو مناسبات تاريخية[6] ،والشريعة اليهودية واحدة مكتوبة مُرسَلة من الإله، والأخرى شفوية يكتشفها حاخامات الشعب عبر تاريخهم. ومع هذا، فللشريعة الشفوية من الشرعية والصلاحية ما للشريعة المكتوبة، بل إنها تفوقها في الاتساع والشمول والدقة. وظاهرة تعدد الأنبياء في اليهودية تعبير عن حلول الإله في التاريخ، وهو حلول لا يتوقف عند نقطة ما بل يستمر من بداية التاريخ حتى نهايته. وقد كانت هذه الرؤية الحلولية الواحدية كامنة في العصر القديم ثم ازدادت عمقاً في التلمود ـ كتاب اليهودية الحاخامية الأساسي ـ ثم تبلورت وأخذت شكلاً حاداً ومتطرفاً في القبالاه التي سيطرت على الفكر الديني اليهودي وعلى المؤسسات الدينية اليهودية ابتداءً من القرن السادس عشر، وورثها المفكرون العلمانيون اليهود ابتداءً من إسبينوز .
في المحصلة نجد أن تاريخ الجماعات اليهودية إنما هوتاريخ حلولي للتاريخ نفسه ونسلط الضوء هنا على رأي د. عبد الوهاب المسيري حيث يجد أن نشوء هذه الجماعات أتى بحدة في القرن السابع عشر في الغرب كجماعات تحولت إلى الوظيفة الانعزالية مما أكسبها صفة النزعة المعادية للتاريخ ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية :
1 ـ يميل الإنسان الذي يعيش في عزلة الى تجريد نفسه إذ يرى ذاته مستقلة عن حركيات التاريخ العام، وخصوصاً أن أعضاء الجماعات الوظيفية يظنون أنهم يتمتعون بقداسة خاصة.
2 ـ أعضاء الجماعات الوظيفية يتمتعون بحركية غير عادية، الأمر الذي يجعل من العسير عليهم رؤية تَراكُم الأحداث داخل إطار محدد.
3 ـ يتعامل التاجر والمرابي[7] مع مجردات ليست لها أية حدود (السلع ـ النقود ـ سعر الفائدة)، كما أن اليهود الذين اضطلعوا في العصور الوسطى بدور التجارة الدولية في المجتمعات الزراعية كانوا عناصر حركية متعددة الجنسيات عابرة للقارات غير قادرة على استيعاب فكرة الحدود التي هي جوهر الوجدان التاريخي.
4 ـ بالإضافة الى كل هذا، كانت التجارة البدائية والربا مهنتين ليست لهما علاقة فعلية بالعملية الإنتاجية ذاتها، فقد كانتا تنتميان إلى نوع من الاقتصاد المجرد داخل بناء من الاقتصاد الطبيعي المبني على تَبادُل الخدمات وعلى الاكتفاء الذاتي.
5 ـ يُركِّز أعضاء الجماعة الوظيفية على الوطن الأصلي، الحقيقي أو الوهمي، وهو بالنسبة إلى اليهود فلسطين، وهو تركيز يفقدهم الإحساس بالزمان والمكان.
[1] - الموسوعة اليهودية – د.عبد الوهاب المسيري – المجلد الرابع – ص 1 .
[2] - نفسه.
[3] - أنظر المصدر السابق من ص (1-20) .
[4] - المصدر السابق – ص 3.
[5] - ننظر هنا إلى يوم السبت كيوم راحة لليهود ونجده في سفر التكوين في الاصحاح الثاني الذي جاء بالنص التالي " 1فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا. 2وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. 3وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا" .
[6] - أيضا نرى ذلك يتكرر في عيد الفصح بمناسبةالخروج من مصر حيث يأتي النص في سفر الخروج في الاصحاح الثاني عشر كما يلي "51وَكَانَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ أَنَّ الرَّبَّ أَخْرَجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِحَسَبِ أَجْنَادِهِم ".
[7] - نجد هذا النموذج بشكل واضح في نص الروائي الانجليزي وليام شكسبير في شخصية تاجر البندقية .
كتبها مي هديب في 01:21 صباحاً ::
جميل جدا ... ولنا تاريخ في محفظة النقود ايضا
الاسم: مي هديب
